هشام جعيط
24
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
للمثنى « 1 » ، وقيادة العملية العسكرية في العراق ، فربطها هكذا بالحكم المركزي . ضمن هؤلاء المقاتلين الألف نجد صفوة من المسلمين من الأنصار ، مع أنه يمكن الخلوص إلى تأكيد وجود عدد مهم من أبناء ثقيف أيضا ، اعتمادا على إشارات كثيرة وردت في رواية سيف « 2 » . لقد واجه العرب المسلمون مع أبي عبيد جيشا فارسيا نظاميا ، لأول مرة ، كان بقيادة بهمن جاذويه وانضم إليه جالينوس ، وكانا قائدين مهمين . وبدأت المعركة ، بعد حصول بعض عمليات نهب ، بقرقس « 3 » الواقعة على ضفة الفرات اليسرى ، لكنها احتفظت باسم معركة الجسر ، اعتمادا على اسم المشهد الرئيسي الذي أثر فيها وحيث أشرف العرب على الكارثة . لقد أرهبتهم الفيلة ، فأخفقوا في تفجير قلب الجيش الفارسي رغم الحملات العنيفة التي شنوها عليه . وما لبثوا أن أجبروا على التقهقر إلى شاطىء الفرات دون أن يقدروا على عبوره من جديد - ذلك أن الجسر المتكون من مراكب انقطع بمبادرة عابثة قام بها أحد العرب - فقتلوا وأغرقوا . روى سيف أن عدد القتلى ارتفع إلى 4000 وفرّ ألفان ، ولم ينج سوى 3000 رجل من بكر من رجال المثنى « 4 » . لقد أنقذ المثنى الجيش ، برباطة جأشه ، من هلاك لا هوادة فيه . أما أهل المدينة فلجأوا إلى الصحراء استحياء من الفرار ، وقتل أبو عبيد بعد أن برهن على شجاعته أكثر مما برهن على خبرته . إن الصدمة التي أثرت في الأنصار رفقاء أبي عبيد تبرهن بقوة على ماهية الإيديولوجيا الإسلامية التي استلهمت الفتوحات روحها منها إلى مدى بعيد ، فبدا الفرار في نظر أهل المدينة وكأنه ضعف لا يغتفر ، لا بمعنى الشرف العربي المعهود بل كخطيئة اقترفت تجاه اللّه . ولم يكن ينوي عمر توجيه الاتهام إليهم « 5 » بل إنه قام بعملية نفسية من شأنها رفع الشعور بالإثم عنهم « 6 » . ويرجع الفضل له
--> - The Termination of Hostilities in the Early Arab Conquests , 634 - 56 . London , 1971 , p . 110 . قد جاراه في ذلك . لكن كان أبو عبيد ينتمي إلى نسب رفيع من ثقيف . ( 1 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 251 ، ذكر أن أبا عبيد جند الرجال في الطريق ؛ وقال الطبري ، ج 3 ، ص 444 ، إن المثنى كان بالمدينة ؛ انظر الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص 113 . ( 2 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 444 - 445 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 454 . كانت تسمى أيضا قسّ الناطف أو المروحة : الدينوري ، ص 113 . ( 4 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 458 ؛ اقتبس ابن الأثير هذه الأرقام والقصة بأكملها ، متقيدا كثيرا برواية سيف التي ذكرها الطبري لكنه عرضها بصورة أكثر وضوحا : الكامل ، طبعة بيروت ، 1965 ، ج 2 ، ص 438 - 440 . ( 5 ) نسب كايتاني إلى سيف خطأ ، أنه روى خبرا عن عمر جاء فيه تأنيب للأنصار : Caetani , Annali . . . , III , 2 , . p . 657 ( 6 ) أضنى الخجل بعض أهل المدينة ، فلجأوا إلى البادية ، ورجع بعضهم الآخر إلى المدينة : الطبري ج 3 ، ص -